‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحكام فقهية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحكام فقهية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 27 أغسطس 2011

حسن الترابي وتدبر القرءان - فقه الطلاق غير فقه الفراق ..


بقلم: عمر محمد سعيد الشفيع

 
الأربعاء, 10 شباط/فبراير 2010
 (1) زبدة المقالة في بدايتها:
{الإيلاء والتربص/الطلاق والعدة والأجل/القرء والشهر/الفيء والإمساك بمعروف والرد/الزوج والبعل/الفراق بمعروف والتسريح بإحسان}. هذه هي أهم مفردات فقه الطلاق وفقه الفراق في القرءان العظيم، وهذه المقالة لا تناقش كل هذه المفاهيم تفصيلاً ولكنها سوف تقتصر على بعضها فقط في سياق مفاتشة التفسير التوحيدي في تدبره لفقه الطلاق. وإليك عزيزي القارئ زبدة المقالة (فقه الطلاق غير فقه الفراق في القرءان العظيم) في بدايتها ثم نناقش بإختصار أيضاً ما ورد في التفسير التوحيدي عن هذا الفقه.
وباسم الله نبتديء.
أولاً ـ ما معنى الطلاق؟
الواضح من آيات القرءان أن الطلاق ـ في تعريفه ومفهومه ـ هو عملية أزمة إنتقالية في حياة الزوجين، حياة السكن والمودة والرحمة، محددة الوقت حسب المرأة سواء كانت من اللاتي يحضن أو اللاتي لا يحضن، وتنتهي هذه الفترة الإنتقالية إما إلى إعادة الحياة الزوجية لسابق عهدها وميثاقها الغليظ إمساكاً بمعروف أو إلى إنهاء تلك الحياة الزوجية فراقاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان/بمعروف. وحسب لسان القرءان هناك فرق بين المرأة المطلَّقة في عدتها والمرأة المردودة من أجل ولدها والمرأة المسرَّحة. وعملية الطلاق تدخل أصالةً في أمور النساء التي يفتينا فيها الله سبحانه وتعالى <وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ> ولاحظ ـ أيها المتدبر الواعي ـ أن الفعل "يفتيكم" يرد هنا مستمراً متحركاً يشمل كل أمور النساء في جميع أوقاتها. وفقه الطلاق ورد معظمه فتوى من الله في سورة البقرة وقليله في سورتي الأحزاب والطلاق. وأهم أركان فقه الطلاق هو تعيين حدود الله فيه لنتعرَّفها ولا نتعداها حتى لا نكون من الظالمين. والطرف الأصيل في تعيين حدود الله في الطلاق هو المرأة الزوج ولكن الخطاب موجّه إلى الزوجين من جملة الجماعة التي يتوجه إليها الخطاب في فقه الطلاق. والطلاق أطرافه متعددون، أولهم الزوجان ومنهم الأهل ومنهم الشهود وقد يكون منهم القاضي. وعلينا ألا نخلط، عزيزي المتدبر، بين ألفاظ "الطلاق" و"الإمساك بمعروف" و"التسريح بإحسان وبمعروف" و"الفراق بمعروف" والفصال" و"الرد" لأن هذه الألفاظ ، مرة أخرى، هي ألفاظ قرءانية مباركة فيها ووراءها قِيَم علينا أن نقيمها وأحكام علينا أن نحتكم إليها.
ثانياً ـ حدود الله
تذكر "حدود الله" دائماً جمعاً في القرءان دون ذكر المفرد وهذا يحتّم علينا أن نعرف هذه الحدود حسب سياق الآيات التي تذكر فيها. وهذا المركب الإضافي "حدود الله" ورد في القرءان إثني عشرة مرة في السياقات الدائرة حول الصيام (مرتان) والطلاق (ثماني مرات) والميراث (مرة واحدة) والحفاظ عليها ـ أي حدود الله ـ (مرة في التوبة) مقترنةً بالقتال في سبيل الله قبلها. وعندما يريد القرءان تحديد جزء من هذه الحدود وتعيينها فهو يورد مركب "تلك حدود الله" الذي تكرر ست مرات في القرءان.
حدود الله في الطلاق
وآيات سورة البقرة تتكامل مع آيات سورة الطلاق في إضاءة كل مشاهد عملية الطلاق والتربص فيها وبلوغ أجلها. و"حدود الله" في سياق الطلاق في سورة البقرة (ست مرات) وردت عامة تدل على حدود الله في إطلاقها ـ وعلى المؤمن إقامتها ـ "إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ"، ووردت أيضاً في خصوص الطلاق بتعيين حدود الله الخاصة به والإشارة إليها باسم الإشارة "تلك" في تركيب "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا" ثم ترجع الآية لتعمم الأمر بعدم التعدي على حدود الله في الطلاق ليكون أمراً عاماً بعدم تعدي حدود الله في عمومها وإطلاقها "وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" ومن يرتكبون هذا التعدي على حدود الله فقد دخلوا مجموعة الظالمين وأصبحوا مجموعةً جزئية فيها.
والآن تعالوا لنرى ما هي حدود الله في الطلاق؟
وكما قلنا فإن آيات سورة البقرة في الطلاق تتكامل مع آيات سورة الطلاق ومن هذه الآيات مجتمعة يمكن تحديد حدود الله في الطلاق وأدناها ثلاثة حدود ـ أقل الجمع ـ وبتتبع الآيات نرى أن حدود الله في الطلاق قسمان هما (أ) الحدود الخاصة بإحصاء العدة و(ب) الحدود الخاصة ببلوغ الأجل.
أما حدود الله الخاصة بإحصاء عدة الطلاق فهي:
(1)     الحصول الفعلي للطلاق بدلالة ورود الأداة "إذا" التي تفيد أن الفعل بعدها لا بد أن يحدث <يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء> مقابل الأداة "إنْ" التي تفيد الإحتمال في حدوث الفعل بعدها. والآية تعليمية تشريعية بدلالة مخاطبة النبي الذي يعلمنا شريعة الرسول.
(2)     مدة الطلاق هي العدة حتى نهايتها بدلالة "اللام" في <فَطَلِّقُوهُنَّ لِـعِدَّتِهِنَّ> ولم يقل القرءان "فطلقوهن في عدتهن". والعدة مرتبطة بالأجل وتتطابق معه إلا في حالتين من حالات المرأة المطلقة الحامل حيث تنقضي العدة قبل الأجل أو بعده.
(3)     إحصاء العدة ولاحظ وقوع الإحصاء على العدد في أمرنا بالدقة في مراعاة هذا الحدّ الذي أهملناه مع أنه من "حدود الله" التي لا ينبغي لنا أن نتعدَّاها <وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ>. وإحصاء العدة يكون بالقرء للمرأة الحامل والمرأة التي في طور المحيض أو بالشهر للمرأة التي يئست من المحيض والمرأة التي لم تحض.
(4)     تقوى الله ربنا في عدم إخراج المطلقات من بيوتهن <وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ>.
(5)     إخراج المطلقات من بيوتهن في حالة فاحشة مبينة <وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبيِّنَةٍ>.
وأما حدود الله الخاصة ببلوغ الأجل فهي:
(1)     البلوغ الفعلي للأجل بدلالة "إذا" في <فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ>. وبلوغ الأجل يعني إنتهاء فترة العدة أو وضع الحمل.
(2)     في لحظة بلوغ الأجل فالخيار يكون بين الإمساك بمعروف أو الفراق بمعروف <فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ>، ويكون بالرد في حالة البعل ومطلقته الحامل التي لم تبلغ أجلها عند إنتهاء عدتها.
(3)     الإشهاد على الطلاق وعلى الإمساك أو الفراق وإقامة الشهادة <وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ>. والأمر بالشهادة واضح وصريح ولكننا أهملناه في حياتنا وفي تشريعاتنا.
ويرى عدنان الرفاعي (حوار أكثر من جريء ـ المعجزة الكبرى) أن العدة والأجل يتطابقان بالنسبة للمرأة المطلقة التي في طور الحيض، وكذلك المرأة التي يئست من المحيض، وكذلك المرأة التي لم تحض، ولكنهما يفترقان بالنسبة للمرأة الحامل. وعدة المرأة الحامل والمرأة التي في طور الحيض حددها الله بالقُرْء (ثلاثة قروء، والقرء هو دورة الإخصاب الجنسي) وعدة المرأة التي يئست من المحيض والمرأة التي لم تحض حددها الله بالشَّهْر (ثلاثة شهور). والقروء الثلاثة يجب إكمالها ـ حيث أن الأمر بها يشمل جميع النساء ـ حتى في حالة المرأة الحامل التي إما أن ينقضي أجلها قبل إنقضاء عدتها ـ حالة أولى ـ حيث تكون الولادة قبل إنقضاء القروء الثلاثة وفي هذه الحالة تنتظر مع مولودها في بيت بعلها الذي يكون مطمئناً على مولوده لأنها تعيش معه في بيتها؛ أو تنقضي عدتها قبل إنقضاء أجلها الذي هو وضع حملها ـ حالة ثانية ـ وفي هذه الحالة يحذرها الله أن تكتم ما في رحمها لأن الأجل يستمر بعد العدة وهنا أُعطي البعل حق ردها إن خشي على مولودهما لأن المرأة يمكنها أن تغادر بيتها بعد إنقضاء عدتها. ولاحظ أن القرءان استخدم لفظ "الرد" وليس الإمساك تمييزاً لهذه الحالة لأن الأجل لم يُبلغ ولم تفقد المردودة حقها في الفراق حيث أن أجلها هو وضع حملها "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"، والمسألة مسألة رد حتى بلوغ الأجل فإما إمساك أو فراق.
و"حدود الله" تتكامل مع "آيات الله" ومع "أمر الله"، وما عليك عزيزي المتدبر إلا أن تنظر هذه المفاهيم مباشرةً في القرءان العظيم وتتدبرها.
 (2) نقاش التفسير التوحيدي في فقه الطلاق
قسَّم حسن الترابي سورة البقرة في تدبره لها إلى ثلاثة وعشرين جزءاً أطولها الجزء الذي تدبر فيه الآيات من مئة وتسعين حتى مئتين وعشرين جملةً واحدة كما ذكرنا في المقالة الأولى ويأتي بعده في الطول الجزء الذي تدبر فيه الآيات من مئتين وواحد وعشرين وحتى مئتين وإثنين وأربعين (من ص 169 إلى ص 183) وهي موضوع هذه المقالة. وخيراً فعل حسن الترابي في جعل هذه الآيات حزمةً واحدة في الربط بينها لتدبرٍ في ترتيلٍ متصلٍ مما يدل على يقظته في إلتقاط المعاني وتوحيدها، والآيات دلَّت أصلاً على وحدة ترتيلها بذكر تبيين آيات الله لمن يتذكَّر في بدايتها <... وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ> وتبيين آيات الله لمن يعقل في ختامها <كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ>. والترابي عالم في فقه المعاني ومنشغل به ويرى أن المسلمين أضاعوا كثيراً من معاني الدين واكتفوا بالأشكال والصور يرددونها لغواً دون فقه معانيها.
ويحق لنا أن نتدبر هذه الآيات جملةَ ترتيلٍ واحد ذلك لأنها تضع حدود الله في فقه النكاح بداية عقد الأسرة وفقه الطلاق في سيرورة الأسرة الذي يقود إما إلى الإمساك بمعروف أو التسريح بمعروف. والترابي أبدع في تدبر هذه الآيات وربطها ببقية معاني السورة في الجزء الذي خصصه لترتيل المعاني آيةً آية وفي الجزء الذي ذكر فيه عموم المعاني لهذه الآيات.
والآن نأتي إلى نقاش التفسير التوحيدي ونبدأ بملاحظة في أسلوب البيان عند الترابي فهو يحاول أن يستخدم ألفاظ القرءان بدقة ويقتصر عليها في عملية التدبر ويكاد ينجح في ذلك لولا تبحره في فقه الأحكام التقليدي الذي يؤثر عليه أحياناً قليلة فيستخدم المصطلح الخاص بالفقه التقليدي دون وعي منه ـ على ما أظن ـ حتى إن كان هذا المصطلح لا وجود له في القرءان مثل إستخدامه لمصطلحات "المهر" و"الخلع" و"النجاسة" رغم أن القرءان لم يرد فيه لفظ (المهر) ولا لفظ (الخلع) وتختلف الدلالة (للنجاسة) بين لسان القرءان ومصطلح فقه الأحكام.
الآية مئتان وواحد وعشرون: الخطاب في هذه الآية موجَّه إلى المؤمنين أمراً صريحاً ألا يتزوجوا من المشركين وألا يزوجوهم والآية لم تفرق بين نساء المؤمنين ورجالهم في هذا الأمر "ولا تنكحوا ..." ولكنها فصلت في المشركات "ولا تنكحوا المشركات ..." والمشركين "ولا تنكحوا المشركين ..." . والترابي قيَّد معنى الآية في مجتمع المدينة ومكة بقوله أن المشركين في مصطلح القرءان هم أهل الجاهلية العربية وبحديثه عن علاقات القرابة بين مجتمع المدينة المسلم ومشركي مكة التي تدفعهم للزواج وبحديثه عن الأمَة بمعنى (بنت الرق) وعن العبد بمعنى (العبد المملوك) كما جاء صريحاً في لفظه. والذي فعله الترابي تدبر فرقاني مطلوب في خصوصيته لمجتمع المدينة في تجربته الإسلامية الأُولى ولكن الأَوْلى بنا منه هو التدبر القرءاني الذي يطلق معاني الآية لكل مجتمع مؤمن من أي مِلَّةٍ كان ويوضح للمؤمنين في تلك الملة أن الزواج الذي هو حياة توحيد بين الزوجين لا ينبغي له أن يكون مع مشرك أو مشركة. وفي الآية وصف للأَمَة بأنها أَمَة مؤمنة أو أمَة مشركة بيد أن الآية لم تكرر الموصوف واكتفت بتكرار الوصف وفيها أيضاً وصف للعبد بأنه عبد مؤمن أو عبد مشرك ولم تكرر الموصوف لأن العبارتين متقابلتان ـ تركيبان متقابلان ـ وهما:
< وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ>
< وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ>
وألفاظ الآية تدل على المعنى العام الذي يخص الناس في جميع أوقاتهم وجميع ديارهم وهذا العموم يمكن أن يشمل معنى تاريخياً كان سائداً في مجتمع المدينة ومكة ولكنه أصبح في ذمة التاريخ ومثال ذلك لفظ العبد الذي يدل في القرءان على واحد الناس في عبادته لله طاعةً أو معصيةً وكذلك الأَمَة وهي المرأة في وصف لها تنتقل به إلى الأُم التي هي أصل الأُمَّة.
الآية مئتان وإثنين وعشرون: تكلم الترابي عن هذه الآية كلاماً نفيساً ربط فيه بين الواو في أول الآية وبين توالي الأسئلة عن شؤون المجتمع والمضي في السياق إلى شؤون الأسرة بعد آثار اليتم وحدِّ مدى التزاوج بالإيمان وربط أيضاً بين الطهارة ونية التعبد لله توبةً للصراط المستقيم بعد كل وقفة. ونزيد على ذلك أن الفعل "يسألونك" يربط الآية بآيات "يسألونك ... قل" والإجابة جزء من فتوى الله في النساء. وتعبير "فاعتزلوا النساء في المحيض" يدل أيضاً ـ إضافةً إلى معناه المعروف ـ على أن إتيان النساء يكون في المهبل (القُبُل بتعبير القدماء) الذي هو أحد أعضاء الحيض (الحيض متضمن في المحيض) وبتحديد مكان الإتيان في هذه الآية تكون الآية التالية لها لا تتحدث عن مكان الإتيان وإنما عن أمر آخر سوف نراه. وفي الآية فرق بين الطُّهْر "حتى يَطْهُرن" وبين التَّطَهُّر "فإذا تَطَهَّرْن" حيث أن الطُّهْر هو العملية الفيزيولوجية الطبيعية لإنقطاع الحيض في فترة المحيض (زمان الحيض) والتطهر ـ لاحظ تاء الجهد والتضعيف ـ هو العملية الإيمانية الدينية في النظافة الحسية والمعنوية، والله يحب المتَطهِّرين. والإتيان من حيث أمر الله بعد التطهر في آخر الآية بيانه في أول الآية في مكان الحيض.
الآية مئتان وثلاثة وعشرون: هذه الآية تتحدث عن "نساؤكم حَرْث لكم" ويقول الترابي "الآية تصف الزوجة بالحرث للبشر حيث تودع فيه بالغرس البذور وتنتظر الثمرة"، وكان يمكننا أن نتوقع أن الترابي سوف يصل إلى مدلول الآية بعد هذا التدبر الذي اقترب فيه من مقصود الآية لولا أن التراث التفسيري قد أثر عليه وجعله يرجع إلى فهم الآية بأنها تتحدث عن المباشرة الزوجية حيث يقول " وتخاطب الآية المؤمنين أن ائتوا الحرث أنى شئتم لأن الله لم يضع عليكم قيوداً وعنتاً في المباشرة الزوجية سوى التطهر من الحيض". لاحظ ـ أيها المتدبر العزيز ـ أن الآية قالت (فأتوا حرثكم أنى شئتم) ولم تقل "فأتوا نساءكم أنى شئتم" وهذا يدل أن المقصود هو الأطفال الذين هم حرث النساء لكم كما قالت وبذلك نعرف أن الآية تتحدث عن إنجاب الأطفال المرتبط بالمشيئة (الحرية وتنظيمها) وليس عن المباشرة الزوجية التي تحدثت عنها الآية السابقة لها.
الآيتان مئتان وستة وعشرون ومئتان وسبعة وعشرون: تتحدث هاتان الآيتان عن الذين يؤلون من نسائهم وتوجب عليهم التربص أربعة أشهر بدلالة اللام في بداية الآية الأولى"للذين يؤلون ..." وهذه اللام تذكرنا باللام في آية "ولله على الناس حج البيت ..." إلا أن الواجب في الحج اشترطت فيه الاستطاعة وفي الإيلاء لم يشترط فيه شيئ مما يدل على أن المؤلين يجب عليهم إكمال مدة الأشهر الأربعة، وعند إكمال المدة أمامهم إحتمالان إما أن يفيئوا ويرجعوا إلى أزواجهم أو أن يعزموا الطلاق، وهاتان هما الآيتان < لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ> ولاحظ الأداة "إن" الدالة على الإحتمال بين الفيء أو الطلاق. والتفسير التوحيدي تابع التراث التفسيري وجعل مدة التربص تنتهي أثناء الأشهر الأربعة " فإن فاء الذين يؤلون رجوعاً عن ذلك القسم في تلك الأثناء وتجاوزوا بزواجهم تلك الأزمة ...". والفيء هو الإمساك بعد فترة الإيلاء كما أن الرد هو إمساك المطلقة الحامل. والطلاق في حالة الإيلاء يقع بين الفيء والفراق.
الآية مئتان وثمانية وعشرون: تبدأ الآية بالواو ربطاً لها بالآية السابقة وهذا يعني أن المؤلين من نسائهم "إن" عزموا الطلاق ولم يختاروا أن يفيئوا فعلى المطلقات أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وبما أن التربص يشمل الزوجين فإن مدة تربص المطلقة ـ في حالة الإيلاء ـ تكون أربعة أشهر وثلاثة قروء بيد أن الآية عامة وتشمل المطلقة من غير إيلاء ومدتها ـ في هذه الحالة ـ هي ثلاثة قروء. وهذه الآية تتكامل مع أول آيتين من سورة الطلاق حيث تشرح أول آية منهما أن الطلاق مرتبط بإكمال العدة التي هي هنا ثلاثة قروء "فطلقوهن لـعدتهن" وإحداث الأمر المذكور في ختام الآية يكون "بعد ذلك" أي بعد إنقضاء العدة وليس قبلها ولا في أثنائها <لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا>. وهذه القروء الثلاثة وجب على الزوجين اللذَّيْن عَزَمَا الطلاق أن يكملاها في حالة تربص بعيداً عن المعاشرة الزوجية، والزوج إن كانت مطلقته حاملاً سمته الآية بعلاً حيث أنه يقوم على أمور مطلقته الحامل وله حق ردِّها، إن أراد، في حالة لم تبلغ أجلها عند إنقضاء عدتها. وغير لفظ "البعل" فقد انفردت الآية أيضاً بلفظ "الرد" الذي يعني حق البعل في رد مطلقته الحامل في حالة إنقضاء عدتها (ثلاثة قروء) قبل إنقضاء أجلها (وضع حملها) والرد غير الإمساك الذي لا يكون إلا عند بلوغ الأجل، والمردودة التي لم تكتم ما خلق الله في رحمها لا تفقد حقها في الفراق عند بلوغ أجلها إن أرادت ذلك. والتفسير التوحيدي تابع التراث في تدبره لهذه الآية ويمكن الرجوع إلى نصه في صفحتي 172 و173.
وبقية آيات هذه الحزمة الترتيلية من التدبر حتى الآية مئتين واثنين وأربعين يمكن الرجوع إليها مباشرة في التفسير التوحيدي الذي وُفِّق في ربطها بمعاني الدين ومقاصده وتجديد التدبر في بعض أجزائها. وطريقة التفسير التوحيدي في التدبر تصلح لعامة المثقفين وطوائف المتعلمين حيث أنه يهتم بالمقاصد والقيم في الآيات وربطها بالحياة العامة، لكنه يخلو في بعض تدبره من التدقيق والتركيز في ألفاظ الآية وتراكيبها وربطها ببقية الألفاظ والتراكيب المشابهة لها في القرءان العظيم مما يقود إلى معانٍ جديدة في التدبر سواء في حقل القيم التي أبدع التفسير التوحيدي في ربط معانيها ومقاصدها أو في حقل الأحكام التي لم يفلح هذا التفسير في تجديدها مثلما أفلح في القيم والمقاصد .
وبالله التوفيق والله أعلم.

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

ضرب المرأة: هل يحل الخلافات الزوجية


بقلم الدكتور عبد الحميد أبو سليمان [1]

إن قضية ضرب المرأة كوسيلة لحل الخلافات الزوجية، قضية تثير كثيرا من الخلافات والمشاعر، خاصة في الأوضاع  الثقافية والحضارية  المعاصرة. وتحتاج الى تدقيق وتحرير في ظل الثوابت  والمتغيرات.. فهل الى هذا سبيل؟ في هذا المقال سنحاول  أن نعيد النظر ونحرر البحث لنهتدي إلى روح التوجيه الاسلامي في هذا الأمر.

واذا كنا بصدد النظر في موضوع «الضرب» وما يستتبعه من مشاعر المهانة والأذى البدني، فاننا بادئ ذي بدء، نعلم كقاعدة أساسية نفسية عامة، ان الأذى والخوف والارهاب النفسي تورث السلبية والكره والانصراف، وان الحب والتكريم والثقة تولد الايجابية والاقبال والبذل. كما اننا نعلم ايضاً ان الأمة قد عانت وما تزال تعاني من ممارسات العسف والاذلال وثقافة الوصاية والاستبداد، بحيث أنه في كثير من مجتمعاتنا لا يقتصر العسف والتسلط والاستبداد على زبانية السادة والحكام، بل إن ذلك ليس إلا جزءاً من ثقافة الأمة العامة، نراه بين «المعلم» و«صبي المعلم» و«المدرس» و«التلميذ» و«الكبير» و«الصغير» و«الرئيس» و«المرؤوس» و«الرجل» و«المرأة» لتشمل في مجملها ودلالاتها الاجتماعية «القوي» و«الضعيف»، كل قوي وضعيف في المجتمع، وذلك على عكس مفاهيم الاسلام في «الاخاء» والتضامن «كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، و«كالجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر البدن بالسهر والحمى»، حيث أن «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، بحسب امرئ من الشر ان يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه. ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله». وتثور قضية «الضرب» في ترتيبات العلاقة الأسرية والانسانية بشكل حاد، وتأخذ موقعاً خاصاً حيث انه وردت الاشارة اليها في نص قرآني، ولأن تأويلاتها التاريخية والتراثية انصرفت وانصرفت افهام الناس وممارساتهم فيها الى معاني اللطم والصفع والصفق والجلد وما شابهه وما يستتبع ذلك من مشاعر الألم والمهانة، بغض النظر عن قدر المهانة ومدى هذا الألم او الأذى البدني، الذي قد تتراوح الفتاوى فيه بين الضرب «بالسواك» وما شابهه، «كفرشاة الاسنان» و«قلم الرصاص»، وذلك في ما روي عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه حين سأله عن معنى «الضرب غير المبرح»، فيكون «الضرب» هنا اقرب الى التأنيب والتعبير عن عدم الرضا والغضب بين الأزواج، اكثر منه تعبيراً عن معاني المهانة والأذى، وفي الجانب الآخر نجد بعض الفتوى من تقول بالضرب بحد اقصى بما دون الأربعين، «ولا قصاص بين الرجل وامرأته إلا في الجرح والقتل». والنص القرآني الذي يتعرض لموضوع «الضرب» هو الآية الرابعة والثلاثون من سورة النساء في قول الله سبحانه وتعالى: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً، وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريد إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً» النساء: 34 ـ 35.

فاذا نظرنا الى مجمل الآيات في هذا الشأن وفي ضوء مجمل الشريعة وفي ضوء القدوة النبوية نجد ان جوهر العلاقة الزوجية هو مشاعر «المودة» ورفق «الرحمة» وواجب «الرعاية»، ويظل حاكم العلاقة الزوجية دائماً هو «المودة والرحمة والاحسان». لذلك يصبح من المفهوم لدينا لماذا يثور التساؤل عن معنى «الضرب» بمعنى الايلام والمهانة وعن موقع ذلك من مفهوم العلاقة الاسلامية الزوجية وبالذات في ترتيبات تمكين الألفة والمحبة بين الأزواج وحل خلافاتهم، خاصة حين يؤخذ في الحسبان واقع العلاقات الاجتماعية في المجتمع المسلم المعاصر وما يتعرض له بعض النساء من ممارسات التسلط والقسوة المادية والمعنوية، وبسبب بعض ما يردد اعتسافاً من منطوق الفتاوى التراثية التي تبالغ في اطلاق سلطة الرجل في ادارة شؤون أسرته باعتباره رأس الأسرة متجاهلين ان مؤسسة الأسرة يجب ان تقوم على التواد والتكامل والتعاون والتكافل، لا يصح ان يساء فهم دلالات النصوص وان تستغل لكي تصبح المرأة والأسرة أشبه بالقطيع المملوك.

لا يمكن ان يكون القهر و«الضرب» وسيلة مقصودة لارغام المرأة على غير ارادتها ورغبتها على المعاشرة، كما ان «الضرب» على أي حال من الاحوال ليس وسيلة مناسبة لاشاعة روح المودة بين الزوجين وليس وسيلة مناسبة لكسب ولاء اطراف العلاقات الحميمة وثقتها. واذا نظرنا الى الترتيبات التي وردت في الآية الكريمة من سورة النساء السابق ذكرها، والتي هدفت لاصلاح ذات البين بين الزوجين حين تطل من الزوجة روح النشوز والتمرد والعصيان، ورفض العشرة الزوجية، نجد هذه الترتيبات على شقين:

الشق الاول: يتعلق بحل اشكال النشوز والخلاف بين الزوجين، ومن دون تدخل من طرف ثالث ويتم ذلك على ثلاث خطوات هي: 1 ـ عظوهن 2 ـ اهجروهن 3 ـ اضربوهن.

والشق الثاني: حين يفشل الزوج داخل نطاق الاسرة ومن دون تدخل طرف اجنبي في حل الخلاف واستعادة روح الوئام وعودة الزوجة الى كنف زوجها وطاعته في ما هو من خاصة علاقاتهم الزوجية، فإن على الزوجين ان يلجآ الى خاصة اهلهم للنظر في ما بينهم من شقاق واسباب ذلك الشقاق ودواعيه للحكم في الامر ونصحهم وارشادهم وعونهم على لم شملهم واصلاح ذات بينهم (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله وحكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا). النساء: 35.

ويأتي السؤال هنا: ما الذي يمكن فعله ليؤدي بالزوجين الى ادراك خطورة الامر وتدبر العواقب قبل ان يخرج النزاع بين الزوجين عن نطاق الزوجية وخصوصية علاقتها، ليطرح النزاع والشقاق امام طرف ثالث: «حكم من اهله وحكم من اهلها» لكي ينظر طرف الاهل الثالث في ما شجر من الامر بين الزوجين، وينصح لهما بما يصلح الحال ان شاءا، أو يكون بينهما فراق بالمعروف والاحسان. وهكذا فإن الخطوة التالية في خطوات حل النزاع والشقاق بين الزوجين داخل نطاق الاسرة هو «الضرب»: (.... واضربوهن فإن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا). النساء: 34. وهو ما يعنينا هنا فهمه ودلالاته ضمن اطار اصلاح ذات البين بين الزوجين حين يدب النزاع والشقاق بينهما وتعصي وترفض الزوجة عشرة زوجها رغم «الوعظ» وابداء الغضب من قبل الزوج «بهجر المضجع».

والسؤال: ما معنى «الضرب» هنا؟! هل هو اللطم أو الصفع أو الجلد أو سوى ذلك من الوان الضرب المؤدي الى الألم والأذى الجسدي والمهانة النفسية والذي يهدف الى قهر المرأة، واخضاعها للمعاشرة كرها، وعلى غير رغبتها؟!، واذا كان الامر كذلك فما هي الغاية من ذلك الاخضاع؟! وهل مثل هذا القهر والاخضاع بوسائل الألم والمهانة يعين نفسيا على توليد مشاعر المحبة والرحمة بين الازواج، ويحكم صلات الولاء والانتماء بينهما، ويقوي دوافع العفة وحفظ الغيب، ويحمي كيان الاسرة من الانهيار والتفكك؟! هل «الضرب» بمعنى اللطم والألم والأذى الجسدي والنفسي من الوسائل التي تقوي عوامل رغبة المرأة في البقاء في الاسرة والحفاظ عليها؟! وهل يمكن لهذا «الضرب» ان يقهر المرأة المسلمة المدركة لحقوقها وكرامتها الانسانية كما تشيعها ثقافة العصر، أو ان يرغمها ذلك على البقاء في اسر الزوج وعسفه وكريه عشرته، وهو لا يتورع ان ينالها بالضرب والمهانة، أم ان لها في الاسلام مخْرجاً مُيسّراً من هذا الاسر، بالخلع والمفارقة.
فإذا لم يكن «الضرب» بمعنى الأذى والايلام الجسدي والمعنوي ـ والذي يتخذ بعض الرجال الاشارة اللفظية القرآنية إليه مبررا وتعلة للجوء إليه في قسوة ضد المرأة استغلالا للظروف التي قد تجبر بعض النساء على الصبر بسبب الحاجة المادية أو الخوف على الابناء ـ مما يعتبر وسيلة ايجابية تتسق والدوافع القرآنية في بناء الاسرة وعلاقاتها الصحيحة، وتؤدي الى كسب ولاء المرأة ومحبتها وحرصها على البقاء ضمن كيان الاسرة والعلاقة الاسرية، فهل المعنى المقصود في القرآن الكريم فعلا بكلمة «الضرب» هو الإيلام والأذى الجسدي والاهانة لكي تخضع المرأة للرجل، وتنقاد على كره منها لرغباته؟!
 إذا كان للمرأة حق «الخلع» فلا شك ان «الضرب» والإيلام والمهانة لا مجال له في العلاقة الزوجية وقهر المعاشرة، بل انه يضعف الروابط الاسرية ويدفعها ويسرع بها الى التفكك والانهيار، ولذلك فإنه من الضروري النظر في الامر بعمق وإدراك دلالاته وابعاده الحقيقية قبل القول بأن ذلك هو المقصود منه على اي صورة من الصور. فإذا نظرنا الى طبيعة الترتيبات القرآنية حين تحدثت عن «الضرب» فإننا نجدها تهدف الى ان تدفع بجهود الصلح والتقارب بين الزوجين خطوة أخرى لازالة الشقاق بأفضل السبل التي تعيد اواصر المحبة والود والتواصل الحميم بين الزوجين قبل ان يضطرا الى عرض نزاعهما على طرف اجنبي عن العلاقة الزوجية من الاهل طلبا لاصلاح ذات البين وحل النزاع بالحسنى، اما بالوفاق أو الفراق. فإذا كان لا يبدو ان للعنف والاذى والقهر مجالا في العلاقة الزوجية وحل اشكالاتها، فما هو القصد اذاً من تعبير «الضرب» في السياق القرآني بصدد ازالة اسباب الشقاق الزوجي وحل خلافاته؟! وقد احصيت وجوه المعاني التي جاء فيها لفظ «الضرب» ومشتقاته في القرآن الكريم فوجدتها على ثمانية عشر وجها كما يلي:
«وضرب الله مثلا» (وقد تعدد هذا التعبير في اماكن كثيرة في القرآن الكريم) النمل 76. «وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة» النساء: 101. «فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا» الكهف: 11. «أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين» الزخرف: 5. «كذلك يضرب الله الحق والباطل» الرعد: 17. «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» النور: 31. «ان اسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا» طه: 77. «وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله» البقرة: 61. «فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان» الأنفال: 12. «وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث» ص: 44. «فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب» محمد: 4.
«فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب» الحديد: 13. «ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن» النور 31. «فكيف اذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم» محمد: 27. «فقلنا اضرب بعصاك الحجر» البقرة: 60. «فراغ عليهم ضرباً باليمين» الصافات: 93.

فإذا امعنا النظر في الآيات السابقة كافة نجد فيها معنى العزل والمفارقة والابعاد والترك، فالشيء يُضرب مثلا أي يستخلص ويميز حتى يصبح جليا واضحاً، والضرب في الأرض هو السفر والمفارقة، والضرب على الأذن هو منعها عن السماع، وضرب الصفح عن الذكر هو الإبعاد والإهمال والترك، وضرب الحق والباطل تمييزهم وتجليتهم مثلا، وضرب الخمر على الجيوب هو ستر الصدر ومنعه عن الرؤية، وضرب الطريق في البحر شقه ودفع الماء جانباً، والضرب بالسور بينهم عزلهم ومنعهم عن بعضهم بعضا، وضرب الذل والمسكنة عليهم نزولها بهم وتخييمها عليهم وصبغهم وتمييزهم بين الناس بها، وضرب الأعناق والبنان بتره وفصله وابعاده عن الجسد، أما باقي ما ورد من كلمة «الضرب» ومشتقاتها في ما سبق من ضرب الأرجل وضرب الوجوه وضرب الحجر وضرب الضغث وضرب الأصنام باليمين، فهي بمعنى الدفع بقوة والخبط واللطم ضد جسد الشيء ارضا أو وجها أو حجرا او انسانا أو صنماً لاحداث الأثر باحداث الصوت أو الايلام والمهانة أو تفجير الحجر (لاخراج الماء) أو تحطيم (الأصنام). وهكذا فإن عامة معاني كلمة «الضرب» في السياق القرآني هي بمعنى العزل والمفارقة والابعاد والدفع فما هو المعنى المناسب لكلمة «الضرب» في سياق فض النزاع بين الزوجين واستعادة روح المودة والتواصل بين الزوجين في قول الله تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان اطعنكم فلا تبتغوا عليهن سبيلا ان الله كان عليما خبيرا، وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما ان الله كان عليما خبيرا) النساء: 34 ـ 35.

وهذا الفهم لمعنى «الضرب» بمعنى المفارقة والترك والاعتزال تؤكده السنة النبوية الفعلية حين فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوت زوجاته حين نشب بينه وبينهن الخلاف ولم يتعظن واصررن على عصيانهن وتمردهن رغبة في شيء من رغد العيش، فلجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الى «المشربة» شهراً كاملاً تاركاً ومفارقاً لزوجاته ومنازلهن، مخيرا اياهن بعدها بين طاعته والرضا بالعيش معه على ما يرتضيه من العيش والا انصرف عنهن وطلقهن في احسان (عسى ربه ان طلقكن ان يبدله أزواجاً خيراً منكن) التحريم: 5. وهو عليه أفضل الصلاة والسلام لم يتعرض لأي واحدة منهن خلال ذلك بأي لون من ألوان الأذى الجسدي أو اللطم أو المهانة بأي صورة من الصور، ولو كان الضرب بمعنى الأذى الجسدي والنفسي أمراً إلهياً، ودواء ناجعاً لكان عليه السلام أول من يبادر اليه ويفعل ويطيع. وهكذا حين رأت الزوجات جد الأمر وغضب أهليهن وقد افتقدن العشرة النبوية الرضية، كان ذلك كافياً ليعدن الى صوابهن ويدخلن في طاعته والقناعة بالعيش الى جانبه على ما يحب ويرضى.

ولذلك فإنني أرى أن المعنى المقصود بـ «الضرب» في السياق القرآن بشأن ترتيبات اصلاح العلاقة الزوجية اذا اصابها عطب ونفرة وعصيان هو مفارقة الزوج زوجته وترك دار الزوجية، والبعد الكامل عن الدار كوسيلة اخيرة لتمكين الزوجة من ادراك مآل سلوك النفرة والنشوز والتقصير في حقوق الزوجية ليوضح لها ان ذلك لا بد ان ينتهي الى الفراق و «الطلاق» وكل ما يترتب عليه من آثار خطيرة خاصة لو كان هناك بينهما اطفال. ان معنى الترك والمفارقة أولى هنا من معنى «الضرب» بمعنى الإيلام والأذى الجسدي والقهر والاذلال النفسي لأن ذلك ليس من طبيعة العلاقة الزوجية الكريمة ولا من طبيعة علاقة الكرامة الانسانية، وليس سبيلا مفهوما الى تحقيق المودة والرحمة والولاء بين الأزواج، خاصة في هذا العصر وثقافته ومداركه وامكاناته ومداخل نفوس شبابه، ولأن هذا المعنى كما رأينا تؤيده السنة النبوية الفعلية كوسيلة نفسية فعالة لتحقيق أهداف الإسلام ومقاصده في بناء الأسرة على المودة والرحمة والعفة والأمن، ومحضنا أمينا على تربية النشء روحيا ونفسيا ووجدانيا ومعرفيا على أفضل الوجوه لتحقيق السعادة وحمل الرسالة.

[1] رئيس المعهد العالمي للفكر الاسلامي ورئيس مؤسسة تنمية الطفل في الولايات المتحدة


الأحد، 21 أغسطس 2011

المحرمات من المطعومات!

الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
فنتناول اليوم بإذن الله وعونه مسألة هي من أهم المسائل المتعلقة بالإنسان المسلم وهي مسألة المحرم من المطعومات، فما هو المباح للإنسان أكله وماذا يحرم عليه؟
الناظر في المسلك الإسلامي في مسألة التحليل والتحريم يجد أنه يضيق دوما مسألة التحريم ويجعل دائرة المباحات واسعة شاملة كبيرة حتى لا يكون على الإنسان من حرج في دنياه، ولن يتخلف هذا المسلك في مسألة المطعومات ، فإذا نحن نظرنا في القرآن الكريم وجدنا أن المحرمات معدودة ومذكورة بصيغة الحصر، وهي الواردة في قوله تعالى:
"إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:173]"
"قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:145] "
"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:3] "
و طبعاً سيخرج القارىء من هذه الآيات بحكم واحد لا خلاف فيه ولا لبس ، فالأمر في غاية الوضوح ، فالقرآن يقولها ويكررها أن المحرم من الطعام هو أربعة أصناف فقط هي : الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ونجد أن الآيات وردت بصيغ عديدة بين " إنما " التي تفيد الحصر ، وبين النفي والاستثناء " لا أجد فيما أوحي إلى .... إلا " التي تفيد الخبرية والحصر أيضا وبين صيغة التحريم العادية " حرمت " .
و انظر عزيزي القارىء في كتب الفقه في هذا الأمر، و ستجد فيها الصفحات الطوال ، مع أن الأمر لا يحتاج إلى عبقرية لمعرفة هذا الحكم الذي لا يأخذ أكثر من سطر واحد ، و تصور معي عزيزي القارىء باب المأكل في كتب الفقه يأخذ سطراً واحداً ، كم سيكون الفقه سهلاً على كل المسلمين .
و مما يأسف له المرء أنه إذا نظر أي مسلم في كتب الفقه في هذا الشأن الذي يجب على كل مسلم أن يعرفه منذ الصغر كمعرفة أبنائه ، يجد أن فيه تصريفات وتفريعات عديدة. فنجد أن أكثر الفقهاء على تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، ونجد أن هناك خلافاً كبيراً في حكم الحمر الأهلية – بين محلل ومحرم ومكره - ، وهل الضفدعة حلال أم حرام ؟ وحكم الأرنب ، وأصناف كثيرة يشعر معها المسلم بالحيرة في تفصيل مطعمه. والسبب في ذلك هو ورود روايات لأسباب معينة عمومها وجعلوها مطلقة ثم جعلوها ناسخة للقرآن أو مخصصة له ، مثل :
o       ما رواه مسلم " 3574- عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ، وَ كل ذي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ } .
o       ومن ذلك ما رواه البخاري " 2922- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا فَلَمَّا غَلَتِ الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ فَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا " .قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقُلْنَا إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَرَّمَهَا أَلْبَتَّة َ"
o       و في البخاري كذلك " 3893- حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ وَسَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ نَهَى عَنْ أَكْلِ الثُّومِ هُوَ عَنْ نَافِعٍ وَحْدَهُ وَلُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَنْ سَالِمٍ "
o       و في البخاري أيضا " 3898- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا :أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ فَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي قَالَ وَبَعْضُهَا نَضِجَتْ فَجَاءَ مُنَادِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا وَأَهْرِقُوهَا قَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى فَتَحَدَّثْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَهَى عَنْهَا الْبَتَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ "
o       و في البخاري كذلك " 3902- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الحُسَيْنِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :لَا أَدْرِي أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لَحْمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ "
فهذه بعض الأحاديث التي يستدلون بها على تحريم أصناف من الطعام لم يحرمها الله عزوجل ونجد كذلك أنه كان هناك خلاف بين الصحابة في سبب النهي هل لعدم التخميس أم لأكل العذرة أم لأنها حمولة الناس ، فأخذ الفقهاء بالروايات على عمومها وتركوا أسبابها على عادتهم دوما من إطلاق السنة وتقييد القرآن .
ولكن نحن عندنا كتاب الله القول الفصل القسطاس المستقيم ، الذي نقيس عليه كل شيء في حياتنا حتى السنة ، فإذا رجعنا إلى القرآن وجدنا أنه حرم الأصناف الأربعة فقط ، بل أنه ذكر ذلك في إحدى الآيات على سبيل الخبر الذي لا يجوز على رأيهم نسخه لأنه يصير كذبا ولكن السادة الفقهاء " لا يغلبون " كما يقال ، فقالوا فيها أقوالا عدة حتى يعملوا الروايات ولو أدى ذلك إلى نسخ الآيات ، ولقد رد الإمام الرازي في تفسيره على هذه التمحكات الفارغة وبين تهافتها فليراجع هناك من أراد ذلك .
ونحن نقول أن النهي في هذه الروايات كان له أسبابه وأن النهي خاص لظروفه من حاجة للحموله أو لعدم التخميس أو لأكل العذرة فالله أعلم ، فقدمنا كتاب الله وحرمنا حرامه ووقفنا عنده ، والحمد لله نجد أن من الأحناف والمالكية من لا يقول بتحريم هذه الأصناف بل يقولون فيها بالكراهة ، وهذا أكثر من كاف لمن يريد أن يسمع أقوال الفقهاء في هذه المسألة ، فليس على تحريمها إجماع – هذا إذا قلنا أن الإجماع حجة - ، فيكون الحكم الشرعي بكل سهولة هو أن المحرم فقط أربعة ، ومن أراد معرفة المكروه فعليه بكتب الفقه ، ومن أراد الحلال والحرام فعليه بكتاب الله .
قد يقول قائل : أنت تقول أن القرآن حرم أربعة أصناف فقط ، ولكنا نجد أن آية المائدة ذكرت أصنافا أخرى ، فكيف يستقيم كلامك ؟
نقول : الأصناف أربعة ولكن الكلام من باب التفصيل ، فإذا أنت نظرت وجدت أن القرآن تكلم عن حكم الميتة إجمالا والميتة المعروف أنها هي الميتة ، ولكن ما حكم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ؟
فوضحت الآية أن ما أدركناه من هذه الأصناف فذكيناه فهو حلال وأما إذا لم ندركه فهو حرام لا يحل لنا أكله ، فالكلام في آية المائدة من باب التفصيل وليس الزيادة ، والله أعلم .
غفر الله لنا الزلل والخلل.