‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفاهيم قرآنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفاهيم قرآنية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 27 أغسطس 2011

حسن الترابي وتدبر القرءان - فقه الطلاق غير فقه الفراق ..


بقلم: عمر محمد سعيد الشفيع

 
الأربعاء, 10 شباط/فبراير 2010
 (1) زبدة المقالة في بدايتها:
{الإيلاء والتربص/الطلاق والعدة والأجل/القرء والشهر/الفيء والإمساك بمعروف والرد/الزوج والبعل/الفراق بمعروف والتسريح بإحسان}. هذه هي أهم مفردات فقه الطلاق وفقه الفراق في القرءان العظيم، وهذه المقالة لا تناقش كل هذه المفاهيم تفصيلاً ولكنها سوف تقتصر على بعضها فقط في سياق مفاتشة التفسير التوحيدي في تدبره لفقه الطلاق. وإليك عزيزي القارئ زبدة المقالة (فقه الطلاق غير فقه الفراق في القرءان العظيم) في بدايتها ثم نناقش بإختصار أيضاً ما ورد في التفسير التوحيدي عن هذا الفقه.
وباسم الله نبتديء.
أولاً ـ ما معنى الطلاق؟
الواضح من آيات القرءان أن الطلاق ـ في تعريفه ومفهومه ـ هو عملية أزمة إنتقالية في حياة الزوجين، حياة السكن والمودة والرحمة، محددة الوقت حسب المرأة سواء كانت من اللاتي يحضن أو اللاتي لا يحضن، وتنتهي هذه الفترة الإنتقالية إما إلى إعادة الحياة الزوجية لسابق عهدها وميثاقها الغليظ إمساكاً بمعروف أو إلى إنهاء تلك الحياة الزوجية فراقاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان/بمعروف. وحسب لسان القرءان هناك فرق بين المرأة المطلَّقة في عدتها والمرأة المردودة من أجل ولدها والمرأة المسرَّحة. وعملية الطلاق تدخل أصالةً في أمور النساء التي يفتينا فيها الله سبحانه وتعالى <وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ> ولاحظ ـ أيها المتدبر الواعي ـ أن الفعل "يفتيكم" يرد هنا مستمراً متحركاً يشمل كل أمور النساء في جميع أوقاتها. وفقه الطلاق ورد معظمه فتوى من الله في سورة البقرة وقليله في سورتي الأحزاب والطلاق. وأهم أركان فقه الطلاق هو تعيين حدود الله فيه لنتعرَّفها ولا نتعداها حتى لا نكون من الظالمين. والطرف الأصيل في تعيين حدود الله في الطلاق هو المرأة الزوج ولكن الخطاب موجّه إلى الزوجين من جملة الجماعة التي يتوجه إليها الخطاب في فقه الطلاق. والطلاق أطرافه متعددون، أولهم الزوجان ومنهم الأهل ومنهم الشهود وقد يكون منهم القاضي. وعلينا ألا نخلط، عزيزي المتدبر، بين ألفاظ "الطلاق" و"الإمساك بمعروف" و"التسريح بإحسان وبمعروف" و"الفراق بمعروف" والفصال" و"الرد" لأن هذه الألفاظ ، مرة أخرى، هي ألفاظ قرءانية مباركة فيها ووراءها قِيَم علينا أن نقيمها وأحكام علينا أن نحتكم إليها.
ثانياً ـ حدود الله
تذكر "حدود الله" دائماً جمعاً في القرءان دون ذكر المفرد وهذا يحتّم علينا أن نعرف هذه الحدود حسب سياق الآيات التي تذكر فيها. وهذا المركب الإضافي "حدود الله" ورد في القرءان إثني عشرة مرة في السياقات الدائرة حول الصيام (مرتان) والطلاق (ثماني مرات) والميراث (مرة واحدة) والحفاظ عليها ـ أي حدود الله ـ (مرة في التوبة) مقترنةً بالقتال في سبيل الله قبلها. وعندما يريد القرءان تحديد جزء من هذه الحدود وتعيينها فهو يورد مركب "تلك حدود الله" الذي تكرر ست مرات في القرءان.
حدود الله في الطلاق
وآيات سورة البقرة تتكامل مع آيات سورة الطلاق في إضاءة كل مشاهد عملية الطلاق والتربص فيها وبلوغ أجلها. و"حدود الله" في سياق الطلاق في سورة البقرة (ست مرات) وردت عامة تدل على حدود الله في إطلاقها ـ وعلى المؤمن إقامتها ـ "إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ"، ووردت أيضاً في خصوص الطلاق بتعيين حدود الله الخاصة به والإشارة إليها باسم الإشارة "تلك" في تركيب "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا" ثم ترجع الآية لتعمم الأمر بعدم التعدي على حدود الله في الطلاق ليكون أمراً عاماً بعدم تعدي حدود الله في عمومها وإطلاقها "وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" ومن يرتكبون هذا التعدي على حدود الله فقد دخلوا مجموعة الظالمين وأصبحوا مجموعةً جزئية فيها.
والآن تعالوا لنرى ما هي حدود الله في الطلاق؟
وكما قلنا فإن آيات سورة البقرة في الطلاق تتكامل مع آيات سورة الطلاق ومن هذه الآيات مجتمعة يمكن تحديد حدود الله في الطلاق وأدناها ثلاثة حدود ـ أقل الجمع ـ وبتتبع الآيات نرى أن حدود الله في الطلاق قسمان هما (أ) الحدود الخاصة بإحصاء العدة و(ب) الحدود الخاصة ببلوغ الأجل.
أما حدود الله الخاصة بإحصاء عدة الطلاق فهي:
(1)     الحصول الفعلي للطلاق بدلالة ورود الأداة "إذا" التي تفيد أن الفعل بعدها لا بد أن يحدث <يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء> مقابل الأداة "إنْ" التي تفيد الإحتمال في حدوث الفعل بعدها. والآية تعليمية تشريعية بدلالة مخاطبة النبي الذي يعلمنا شريعة الرسول.
(2)     مدة الطلاق هي العدة حتى نهايتها بدلالة "اللام" في <فَطَلِّقُوهُنَّ لِـعِدَّتِهِنَّ> ولم يقل القرءان "فطلقوهن في عدتهن". والعدة مرتبطة بالأجل وتتطابق معه إلا في حالتين من حالات المرأة المطلقة الحامل حيث تنقضي العدة قبل الأجل أو بعده.
(3)     إحصاء العدة ولاحظ وقوع الإحصاء على العدد في أمرنا بالدقة في مراعاة هذا الحدّ الذي أهملناه مع أنه من "حدود الله" التي لا ينبغي لنا أن نتعدَّاها <وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ>. وإحصاء العدة يكون بالقرء للمرأة الحامل والمرأة التي في طور المحيض أو بالشهر للمرأة التي يئست من المحيض والمرأة التي لم تحض.
(4)     تقوى الله ربنا في عدم إخراج المطلقات من بيوتهن <وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ>.
(5)     إخراج المطلقات من بيوتهن في حالة فاحشة مبينة <وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبيِّنَةٍ>.
وأما حدود الله الخاصة ببلوغ الأجل فهي:
(1)     البلوغ الفعلي للأجل بدلالة "إذا" في <فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ>. وبلوغ الأجل يعني إنتهاء فترة العدة أو وضع الحمل.
(2)     في لحظة بلوغ الأجل فالخيار يكون بين الإمساك بمعروف أو الفراق بمعروف <فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ>، ويكون بالرد في حالة البعل ومطلقته الحامل التي لم تبلغ أجلها عند إنتهاء عدتها.
(3)     الإشهاد على الطلاق وعلى الإمساك أو الفراق وإقامة الشهادة <وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ>. والأمر بالشهادة واضح وصريح ولكننا أهملناه في حياتنا وفي تشريعاتنا.
ويرى عدنان الرفاعي (حوار أكثر من جريء ـ المعجزة الكبرى) أن العدة والأجل يتطابقان بالنسبة للمرأة المطلقة التي في طور الحيض، وكذلك المرأة التي يئست من المحيض، وكذلك المرأة التي لم تحض، ولكنهما يفترقان بالنسبة للمرأة الحامل. وعدة المرأة الحامل والمرأة التي في طور الحيض حددها الله بالقُرْء (ثلاثة قروء، والقرء هو دورة الإخصاب الجنسي) وعدة المرأة التي يئست من المحيض والمرأة التي لم تحض حددها الله بالشَّهْر (ثلاثة شهور). والقروء الثلاثة يجب إكمالها ـ حيث أن الأمر بها يشمل جميع النساء ـ حتى في حالة المرأة الحامل التي إما أن ينقضي أجلها قبل إنقضاء عدتها ـ حالة أولى ـ حيث تكون الولادة قبل إنقضاء القروء الثلاثة وفي هذه الحالة تنتظر مع مولودها في بيت بعلها الذي يكون مطمئناً على مولوده لأنها تعيش معه في بيتها؛ أو تنقضي عدتها قبل إنقضاء أجلها الذي هو وضع حملها ـ حالة ثانية ـ وفي هذه الحالة يحذرها الله أن تكتم ما في رحمها لأن الأجل يستمر بعد العدة وهنا أُعطي البعل حق ردها إن خشي على مولودهما لأن المرأة يمكنها أن تغادر بيتها بعد إنقضاء عدتها. ولاحظ أن القرءان استخدم لفظ "الرد" وليس الإمساك تمييزاً لهذه الحالة لأن الأجل لم يُبلغ ولم تفقد المردودة حقها في الفراق حيث أن أجلها هو وضع حملها "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"، والمسألة مسألة رد حتى بلوغ الأجل فإما إمساك أو فراق.
و"حدود الله" تتكامل مع "آيات الله" ومع "أمر الله"، وما عليك عزيزي المتدبر إلا أن تنظر هذه المفاهيم مباشرةً في القرءان العظيم وتتدبرها.
 (2) نقاش التفسير التوحيدي في فقه الطلاق
قسَّم حسن الترابي سورة البقرة في تدبره لها إلى ثلاثة وعشرين جزءاً أطولها الجزء الذي تدبر فيه الآيات من مئة وتسعين حتى مئتين وعشرين جملةً واحدة كما ذكرنا في المقالة الأولى ويأتي بعده في الطول الجزء الذي تدبر فيه الآيات من مئتين وواحد وعشرين وحتى مئتين وإثنين وأربعين (من ص 169 إلى ص 183) وهي موضوع هذه المقالة. وخيراً فعل حسن الترابي في جعل هذه الآيات حزمةً واحدة في الربط بينها لتدبرٍ في ترتيلٍ متصلٍ مما يدل على يقظته في إلتقاط المعاني وتوحيدها، والآيات دلَّت أصلاً على وحدة ترتيلها بذكر تبيين آيات الله لمن يتذكَّر في بدايتها <... وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ> وتبيين آيات الله لمن يعقل في ختامها <كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ>. والترابي عالم في فقه المعاني ومنشغل به ويرى أن المسلمين أضاعوا كثيراً من معاني الدين واكتفوا بالأشكال والصور يرددونها لغواً دون فقه معانيها.
ويحق لنا أن نتدبر هذه الآيات جملةَ ترتيلٍ واحد ذلك لأنها تضع حدود الله في فقه النكاح بداية عقد الأسرة وفقه الطلاق في سيرورة الأسرة الذي يقود إما إلى الإمساك بمعروف أو التسريح بمعروف. والترابي أبدع في تدبر هذه الآيات وربطها ببقية معاني السورة في الجزء الذي خصصه لترتيل المعاني آيةً آية وفي الجزء الذي ذكر فيه عموم المعاني لهذه الآيات.
والآن نأتي إلى نقاش التفسير التوحيدي ونبدأ بملاحظة في أسلوب البيان عند الترابي فهو يحاول أن يستخدم ألفاظ القرءان بدقة ويقتصر عليها في عملية التدبر ويكاد ينجح في ذلك لولا تبحره في فقه الأحكام التقليدي الذي يؤثر عليه أحياناً قليلة فيستخدم المصطلح الخاص بالفقه التقليدي دون وعي منه ـ على ما أظن ـ حتى إن كان هذا المصطلح لا وجود له في القرءان مثل إستخدامه لمصطلحات "المهر" و"الخلع" و"النجاسة" رغم أن القرءان لم يرد فيه لفظ (المهر) ولا لفظ (الخلع) وتختلف الدلالة (للنجاسة) بين لسان القرءان ومصطلح فقه الأحكام.
الآية مئتان وواحد وعشرون: الخطاب في هذه الآية موجَّه إلى المؤمنين أمراً صريحاً ألا يتزوجوا من المشركين وألا يزوجوهم والآية لم تفرق بين نساء المؤمنين ورجالهم في هذا الأمر "ولا تنكحوا ..." ولكنها فصلت في المشركات "ولا تنكحوا المشركات ..." والمشركين "ولا تنكحوا المشركين ..." . والترابي قيَّد معنى الآية في مجتمع المدينة ومكة بقوله أن المشركين في مصطلح القرءان هم أهل الجاهلية العربية وبحديثه عن علاقات القرابة بين مجتمع المدينة المسلم ومشركي مكة التي تدفعهم للزواج وبحديثه عن الأمَة بمعنى (بنت الرق) وعن العبد بمعنى (العبد المملوك) كما جاء صريحاً في لفظه. والذي فعله الترابي تدبر فرقاني مطلوب في خصوصيته لمجتمع المدينة في تجربته الإسلامية الأُولى ولكن الأَوْلى بنا منه هو التدبر القرءاني الذي يطلق معاني الآية لكل مجتمع مؤمن من أي مِلَّةٍ كان ويوضح للمؤمنين في تلك الملة أن الزواج الذي هو حياة توحيد بين الزوجين لا ينبغي له أن يكون مع مشرك أو مشركة. وفي الآية وصف للأَمَة بأنها أَمَة مؤمنة أو أمَة مشركة بيد أن الآية لم تكرر الموصوف واكتفت بتكرار الوصف وفيها أيضاً وصف للعبد بأنه عبد مؤمن أو عبد مشرك ولم تكرر الموصوف لأن العبارتين متقابلتان ـ تركيبان متقابلان ـ وهما:
< وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ>
< وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ>
وألفاظ الآية تدل على المعنى العام الذي يخص الناس في جميع أوقاتهم وجميع ديارهم وهذا العموم يمكن أن يشمل معنى تاريخياً كان سائداً في مجتمع المدينة ومكة ولكنه أصبح في ذمة التاريخ ومثال ذلك لفظ العبد الذي يدل في القرءان على واحد الناس في عبادته لله طاعةً أو معصيةً وكذلك الأَمَة وهي المرأة في وصف لها تنتقل به إلى الأُم التي هي أصل الأُمَّة.
الآية مئتان وإثنين وعشرون: تكلم الترابي عن هذه الآية كلاماً نفيساً ربط فيه بين الواو في أول الآية وبين توالي الأسئلة عن شؤون المجتمع والمضي في السياق إلى شؤون الأسرة بعد آثار اليتم وحدِّ مدى التزاوج بالإيمان وربط أيضاً بين الطهارة ونية التعبد لله توبةً للصراط المستقيم بعد كل وقفة. ونزيد على ذلك أن الفعل "يسألونك" يربط الآية بآيات "يسألونك ... قل" والإجابة جزء من فتوى الله في النساء. وتعبير "فاعتزلوا النساء في المحيض" يدل أيضاً ـ إضافةً إلى معناه المعروف ـ على أن إتيان النساء يكون في المهبل (القُبُل بتعبير القدماء) الذي هو أحد أعضاء الحيض (الحيض متضمن في المحيض) وبتحديد مكان الإتيان في هذه الآية تكون الآية التالية لها لا تتحدث عن مكان الإتيان وإنما عن أمر آخر سوف نراه. وفي الآية فرق بين الطُّهْر "حتى يَطْهُرن" وبين التَّطَهُّر "فإذا تَطَهَّرْن" حيث أن الطُّهْر هو العملية الفيزيولوجية الطبيعية لإنقطاع الحيض في فترة المحيض (زمان الحيض) والتطهر ـ لاحظ تاء الجهد والتضعيف ـ هو العملية الإيمانية الدينية في النظافة الحسية والمعنوية، والله يحب المتَطهِّرين. والإتيان من حيث أمر الله بعد التطهر في آخر الآية بيانه في أول الآية في مكان الحيض.
الآية مئتان وثلاثة وعشرون: هذه الآية تتحدث عن "نساؤكم حَرْث لكم" ويقول الترابي "الآية تصف الزوجة بالحرث للبشر حيث تودع فيه بالغرس البذور وتنتظر الثمرة"، وكان يمكننا أن نتوقع أن الترابي سوف يصل إلى مدلول الآية بعد هذا التدبر الذي اقترب فيه من مقصود الآية لولا أن التراث التفسيري قد أثر عليه وجعله يرجع إلى فهم الآية بأنها تتحدث عن المباشرة الزوجية حيث يقول " وتخاطب الآية المؤمنين أن ائتوا الحرث أنى شئتم لأن الله لم يضع عليكم قيوداً وعنتاً في المباشرة الزوجية سوى التطهر من الحيض". لاحظ ـ أيها المتدبر العزيز ـ أن الآية قالت (فأتوا حرثكم أنى شئتم) ولم تقل "فأتوا نساءكم أنى شئتم" وهذا يدل أن المقصود هو الأطفال الذين هم حرث النساء لكم كما قالت وبذلك نعرف أن الآية تتحدث عن إنجاب الأطفال المرتبط بالمشيئة (الحرية وتنظيمها) وليس عن المباشرة الزوجية التي تحدثت عنها الآية السابقة لها.
الآيتان مئتان وستة وعشرون ومئتان وسبعة وعشرون: تتحدث هاتان الآيتان عن الذين يؤلون من نسائهم وتوجب عليهم التربص أربعة أشهر بدلالة اللام في بداية الآية الأولى"للذين يؤلون ..." وهذه اللام تذكرنا باللام في آية "ولله على الناس حج البيت ..." إلا أن الواجب في الحج اشترطت فيه الاستطاعة وفي الإيلاء لم يشترط فيه شيئ مما يدل على أن المؤلين يجب عليهم إكمال مدة الأشهر الأربعة، وعند إكمال المدة أمامهم إحتمالان إما أن يفيئوا ويرجعوا إلى أزواجهم أو أن يعزموا الطلاق، وهاتان هما الآيتان < لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ> ولاحظ الأداة "إن" الدالة على الإحتمال بين الفيء أو الطلاق. والتفسير التوحيدي تابع التراث التفسيري وجعل مدة التربص تنتهي أثناء الأشهر الأربعة " فإن فاء الذين يؤلون رجوعاً عن ذلك القسم في تلك الأثناء وتجاوزوا بزواجهم تلك الأزمة ...". والفيء هو الإمساك بعد فترة الإيلاء كما أن الرد هو إمساك المطلقة الحامل. والطلاق في حالة الإيلاء يقع بين الفيء والفراق.
الآية مئتان وثمانية وعشرون: تبدأ الآية بالواو ربطاً لها بالآية السابقة وهذا يعني أن المؤلين من نسائهم "إن" عزموا الطلاق ولم يختاروا أن يفيئوا فعلى المطلقات أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وبما أن التربص يشمل الزوجين فإن مدة تربص المطلقة ـ في حالة الإيلاء ـ تكون أربعة أشهر وثلاثة قروء بيد أن الآية عامة وتشمل المطلقة من غير إيلاء ومدتها ـ في هذه الحالة ـ هي ثلاثة قروء. وهذه الآية تتكامل مع أول آيتين من سورة الطلاق حيث تشرح أول آية منهما أن الطلاق مرتبط بإكمال العدة التي هي هنا ثلاثة قروء "فطلقوهن لـعدتهن" وإحداث الأمر المذكور في ختام الآية يكون "بعد ذلك" أي بعد إنقضاء العدة وليس قبلها ولا في أثنائها <لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا>. وهذه القروء الثلاثة وجب على الزوجين اللذَّيْن عَزَمَا الطلاق أن يكملاها في حالة تربص بعيداً عن المعاشرة الزوجية، والزوج إن كانت مطلقته حاملاً سمته الآية بعلاً حيث أنه يقوم على أمور مطلقته الحامل وله حق ردِّها، إن أراد، في حالة لم تبلغ أجلها عند إنقضاء عدتها. وغير لفظ "البعل" فقد انفردت الآية أيضاً بلفظ "الرد" الذي يعني حق البعل في رد مطلقته الحامل في حالة إنقضاء عدتها (ثلاثة قروء) قبل إنقضاء أجلها (وضع حملها) والرد غير الإمساك الذي لا يكون إلا عند بلوغ الأجل، والمردودة التي لم تكتم ما خلق الله في رحمها لا تفقد حقها في الفراق عند بلوغ أجلها إن أرادت ذلك. والتفسير التوحيدي تابع التراث في تدبره لهذه الآية ويمكن الرجوع إلى نصه في صفحتي 172 و173.
وبقية آيات هذه الحزمة الترتيلية من التدبر حتى الآية مئتين واثنين وأربعين يمكن الرجوع إليها مباشرة في التفسير التوحيدي الذي وُفِّق في ربطها بمعاني الدين ومقاصده وتجديد التدبر في بعض أجزائها. وطريقة التفسير التوحيدي في التدبر تصلح لعامة المثقفين وطوائف المتعلمين حيث أنه يهتم بالمقاصد والقيم في الآيات وربطها بالحياة العامة، لكنه يخلو في بعض تدبره من التدقيق والتركيز في ألفاظ الآية وتراكيبها وربطها ببقية الألفاظ والتراكيب المشابهة لها في القرءان العظيم مما يقود إلى معانٍ جديدة في التدبر سواء في حقل القيم التي أبدع التفسير التوحيدي في ربط معانيها ومقاصدها أو في حقل الأحكام التي لم يفلح هذا التفسير في تجديدها مثلما أفلح في القيم والمقاصد .
وبالله التوفيق والله أعلم.

الجمعة، 26 أغسطس 2011

الفرق بين صيغة التحريم وصيغة النَّهْي في القرآن


بقلم سامر الإسلامبولي
إن الدارس لأسلوب التشريع في القرآن يجد أن الشارع تارة يستخدم كلمة التحريم نحو قوله تعالى ( حُرمت عليكم أمهاتكم ) (النساء 23)، وتارة أسلوب النَّهْي عن الفعل، نحو قوله: ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ..) (البقرة 222).
فهل كلّ حرام مَنْهيّ عنه، وكلّ مَنْهي عنه حرام؟
لنرَ ذلك من خلال دراسة الآيات التشريعية:
قال تعالى: ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) (الأنعام 152).
فهذا النصّ نهي عن الاقتراب من مال اليتيم، وهذا النَّهْي جاء بسياق النصّ الذي يتلو المحرَّمات؛ وهو قوله تعالى: (قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم ) (الأنعام 151)، فيكون الحرام ضمن المَنْهِيَّات ضرورة.
قال تعالى:( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) (البقرة 222).
فهذا النصّ واضح في النَّهْي عن جماع المرأة أثناء المحيض، والوقوع بهذا الفعل يكون وقوعاً بالمحظور الشرعي، الذي يترتَّب عليه الإثم، ولكنه ليس من دائرة الحرام؛ فنصل إلى أنه لا يُشترط في المَنْهي عنه أن يكون من دائرة الحرام.
والنَّهْي يمكن أن يدخل في دائرة التحريم؛ نحو: أكلِ مالِ اليتيم، ويمكن أن يبقى خارج دائرة التحريم ضمن دائرة المَنْهِيَّات، نحو النَّهْي عن جماع المرأة أثناء المحيض.
إذاً؛ كلّ حرام مَنْهي عنه ضرورة، ويترتَّب على فعله الإثم، وكلّ مَنْهي عنه لا يُشترَط فيه التحريم؛ لإمكانية خروجه من دائرة التحريم إلى دائرة المَنْهِيَّات، و يترتَّب على فعله الإثم أيضاً.
فيوجد في التشريع دائرتان:
الأولى: دائرة التحريم، وتكون هذه الدائرة ضمن دائرة المَنْهيات، التي هي أكبر وأوسع من دائرة التحريم، ومتضمّنة لها، وكلّ الأمور في الدائرتَيْن فعْلُها غير مباح، ويترتَّب الإثم على مَنْ يفعلها، فما الفرق بين الحرام ، والمَنْهي عنه في التشريع؟
إن الدارس للآيات المتعلّقة بالحرام يجد أن حُكْمها أبديّ، غير قابل للفتح، أو السماح بممارسته، إلَّا بإذن شرعي عيني، نحو: السماح للمضطرّ بتناول الميتة؛ بقوله تعالى إنما حَرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن أضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) (البقرة 173)، وما سوى ذلك فمُغلق غير مسموح بفَتحه، ولا بأيّ شكل، ومن هذا الوجه يظهر خطأ تطبيق قاعدة: (الضرورات تُبيح المحظورات) على دائرة المُحرَّمات؛ فهل هناك ضرورة لنكاح الأمّ، والمحارم؟! وهل هناك ضرورة لقَتْل الإنسان البريء؟! وهل هناك ضرورة لأَكْل مال اليتيم؟! وهل هناك ضرورة لأنْ يكون الإنسان مُرابياً؟!
أمَّا دائرة النواهي، نحو النَّهْي عن جماع المرأة أثناء المحيض، والنَّهْي عن تناول الخمر، وتعاطي الميسر؛ فهذه الأشياء لا شكَّ بعدم إباحتها، ولا شك أن الإثم يترتَّب على فاعلها، ولكنَّ هذه الأشياء خارج دائرة الحرام، وهي في دائرة النواهي، والفرق بينهما يكمن في أن دائرة النواهي يمكن فَتْحها من قِبَل الإنسان، إنْ تعرَّض للهلاك والخطر، وفي هذا الموضع تأتي صحَّة ممارسة القاعدة الكُلِّيَّة (الضرورات تُبيح المحظورات)، فهي محصورة بدائرة النواهي، دون دائرة المُحرَّمات، والضرورات تُقدَّر بقدرها، ولهذا الفرق والتمييز بين الدائرتَيْن، من حيث التعامل، لم يستخدم الشارعُ كلمةَ التحريم للنَّهْي عن الخمر، والميسر، والجماع للمرأة أثناء المحيض، وما شابه ذلك من المَنْهيات، ومن هذا الوجه، لم تأت مادة الخمر ضمن آية تحريم المطعومات: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس ) (الأنعام 145)؛ لأنها من المَنْهيات، وليست من المُحرَّمات، وبذلك يظهر لنا دلالة حرف ( إلا ) المسبوق بنَفْي، في نصّ المطعومات، وأنه يفيد الحصر لما جاء بعده، وغير قابل لزيادة أيّ شيء عليه، ممَّا يُعطى له حُكْم الحرام من الأمور، ومن هذا الوجه زال الإشكال عن مسألة الخمر، ولماذا انفردت بنصّ وحدها، غير نصّ تحريم المطعومات، وظهر لنا صحّة إغلاق نصّ تحريم المطعومات على ما ذُكِرَ فيه فقط، وظهر لنا أن الخمر من دائرة المَنْهيات، وليست من دائرة المُحرَّمات، وكلاهما يترتب على فاعلهما الإثم، والمعصية.

حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء

بقلم أبو مسلم العرابلي
ورد استواء الرحمن على العرش في سبع آيات منها قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) طه.
 وأخرج ابن مردويه واللالكائي في السنة عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها في قوله: (ثم استوى على العرش)، قالت الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
 وأخرج اللالكائي عن ابن عيينة قال سئل ربيعة عن قوله: (استوى على العرش)، كيف استوى؟، قال الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق.
 وأخرج اللالكائي عن جعفر بن عبد الله قال جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال له يا أبا عبد الله (استوى على العرش) كيف استوى؟ قال فما رأيت مالكا وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضاء - يعني العرق - وأطرق القوم، قال فسرى عن مالك، فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج. الدر المنثور ج3/ص473
 لذلك كان تفسير استواء الرحمن على العرش بعد هذا القول، محظور الاقتراب منه، والخوض فيه ممنوع. وكان تشدد مالك رحمه الله تعالى في قوله، توفيقًا من الله تعالى لسد هذا الباب، وكان فيه خيرًا للمسلمين.
 والوقوف على الإيمان باستواء الرحمن على العرش، دون الوقوف على فهمه لمعرفة حقيقته؛ هو منهج ارتضاه علماء الأمة، ولم يكن هذا المنهج حلاً عند الآخرين، ويريدون جوابًا تطمئن به أنفسهم، وأن كل ما بلغنا به الله تعالى في القرآن داخل في مجال الإدراك البشري، ولا يبقى سرًا غامضًا لا يمكن فهمه، وسبب الخوف من أن يؤدي البحث فيه إلى البحث في كيفية الاستواء، والبحث في الكيفية ممنوع، وسيبقى ممنوعًا الحديث فيه إن أدى إلى التجسيد، أو وصف الله تعالى بالانتقال والزوال.
 ودون "فقه استعمال الجذور" الذي لم يعمل به علماء اللغة لدراسة لغتهم لا يمكن فهم الاستواء على حقيقته.
 وفقه استعمال الجذور: هو العلم الذي يعرف به سبب تسمية المسميات بأسمائها، ويحدد معاني الأفعال بما يميزها عن المترادفات لها، وعوض عن فقدان هذا العلم، والعمل به في كثير من المتشابهات؛ التفسير بالمترادفات.
 وأعرض في هذا الموضوع كمثال "الاستواء" لفهمه بعيدًا عن الكيف والزوال وكل ما لا يجوز وصف الله تعالى به.
 فالمدخل لفهم ما في القرآن من "الاستواء"، وغيره لا يكون إلا في المدخل اللغوي؛ لأن الإعجاز كان باللغة، وما ورد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو مما يوافق الجانب اللغوي، ويقويه، ولا يخرج عنه ولا يعارضه.
 وزاد من صعوبة فهم الاستواء؛ كثرة ما ورد من المرادفات لفهم الاستواء، مما نال بعضه الرضا من العلماء، أو مما استنكروه، وشنعوا على أصحابه، ولم ينل الاستواء نفسه حظًا من الدراسة بعيدًا عن المرادفات التي وضعت له لشرحه أو لتقريب فهمه.
 ومادة "سوي" جرى استعمالها في القرآن في (83) موضعًا، وفي جميع المواضع تفيد: التمام والكمال الذي يسبق التوجه للقيام بما بعده، ونذكر من الأمثلة ما يوضح هذا المفهوم؛
 من ذلك قوله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29) الحجر ، (72) ص.
 سويته أي أكملت خلقه وأتممتها ... فهو مهيأ وجاهز لنفخ الروح فيه.
 وفي قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) القصص.
 بلغ أشده واستوى أي كمل نضجه، واكتملت رجولته، وأصبح أهلا لتلقي العلم والحكمة.
 وفي قوله تعالى: (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) النجم.
 فاستوى أي ظهر جبريل عليه السلام بخلقته التامة والكاملة كما خلقه الله تعالى ... وكان بعدها الدنو والتدلي والوحي إلى رسول الله ونبيه عليه الصلاة والسلام.
 وفي قوله تعالى: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ (29) الفتح.
 "فاستوى على سوقه" أي تم، وكمل، وأصبح موضع الإعجاب ... وبعد ذلك يكون اكتمال الثمر ونضجه وحصاده.
 وفي قوله تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(28) المؤمنون.
 "فإذا استويت أنت وممن معك" أي اكتمل صعودكم ووجودكم على السفينة، سواء أكنتم على ظهر السفينة أم كنتم في بطنها، فالاستواء كان بتمام الوجود فيها، وأن لا يبقى أحد من أصحابها خارجها على الأرض، وبعد ذلك يكون جري السفينة وانتقالها بقدرة الله فينجو بذلك أصحابها من الطوفان.
 وفي قوله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) الزخرف.
 لتستووا على ظهوره أي اكتمل لكم ملك الدابة، وذلت لكم، لتركبوا على ظهرها، فدون ملك الدابة، ولو استعارة، ودون ذل الدابة، وقبولها وجود راكب على ظهرها، لا يكون هناك استواء على ظهرها فالاستواء على ظهرها هو تمام كل ذلك، لا على أنه المراد وجود الراكب على ظهر الدابة فقط ... ثم بعد ذلك التوجه بها إلى حيث يريد، ولو ظلت الدابة واقفة وهو على ظهرها لما صح تسمية ذلك بالاستواء الذي يوجب على صاحبه شكر الله على هذا التسخير.
 وقوله تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) فاطر، أي لم يبلغ الأعمى في معرفة الأشياء وصفاتها، وقدرة الانتقال، ما بلغه البصير في تمام هذه النعمة عليه،
 وفي قوله تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) فاطر، أي لم يبلغ البحر المالح في صفاته ما بلغه البحر العذب. والمنفعة حاصلة من البحرين.
 وفي قوله تعالى: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135) طه؛ أي الطريق المستقيم الكامل التام.
 وفي قوله تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22) القصص؛ أحسن الطرق الموصلة لمدين وأفضلها.
 وفي قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) القصص. أي اكتمل سن النضج الذي يصلح فيه أن يكون نبيًا مرسلاً، وبلغ أربعين سنة؛ كم قال تعالى: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً (15) لقمان.
 وفي قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا (42) النساء؛
 أي يودون لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، فلا يكون لهم ظهور على وجهها، لا أحياء ولا أمواتًا.
 والوجه الثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، ليس لهم فضل وزيادة على الأرض.
 وكل ما ورد في اللغة غير ما ورد في القرآن لا يخرج عن معنى الجذر ... والسواء : العدل والمثيل. أي أن لكل واحد منهم ما له من صفات.
وخطُّ الاستواءِ عند الجغرافيين دائرةٌ مرسومةٌ حول الأرض على بُعدٍ واحدٍ من القطبتين تُقسَم بها الأرض إلى نصفين شماليٍّ وجنوبيٍّ سُمّي بهِ لتساوي الليل والنهار عندهُ طول السنة (لسان العرب – مادة سوي). وليلة السواء: ليلة أربع عشر لاكتمال القمر فيها.
 والعجب من تفسير الاستواء بالرسو في قوله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) هود... ولم تستعمل العرب الاستواء بمعنى الرسو، ولا يوافق هذا التفسير استعمال هذا الجذر.
 والضمير في "استوت على الجودي" إما أن يعود على السفينة، وإما على الأرض، فإن عاد الضمير على السفينة بمعنى ذلك أنها رست على الجودي فليس من معاني الاستواء الرسو، وثانيًا كيف ترسو سفينة على جبل دون أن تتحطم ويهلك من عليها، وأمر ثالث؛ أين هذا الجبل المسمى بالجودي؟ وإن أشير إلى أنه في مكان ما ... فأين الدليل اليقيني الذي يثبت أن هذا هو المقصود بالآية؟ ولماذا الجودي اسم مخصوص بجبل معين والآية لم تنطق بذلك.
وإن عاد الضمير على الأرض فمعنى ذلك أن الأرض تمت واكتملت بعد الطوفان فأصبحت أكثر خصبًا وعطاء، وياء النسبة في الجودي تعود على الجود نفسه، وهذا يوافق ما بينه نوح عليه السلام من فوائد الاستغفار: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا(12) نوح.
 وتحقق ذلك لمن آمن منهم بعد الطوفان، فانظر إلى قول هود عليه السلام لعاد أول قوم بعد نوح عليه السلام ،: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) الشعراء... وتسرب الأرض من ماء الطوفان بكميات كبيرة سيفجر العيون، ويجري الأنهار، وتتكون عليه الجنات التي حرم منها قوم نوح عليه السلام قبل الطوفان.
 ولندخل فيما تعلق بالرحمن من هذه المادة اللغوية:
 قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) البقرة .... وفي قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فصلت.
 يفهم من قوله تعالى: "ثم استوى إلى السماء" ما فهم من الآيات السابقة في استعمال مادة سوي؛ بأنه تعالى أراد إتمام خلقها على أكمل وجوهها، وإتمام عددها سبعًا، لذلك قال تعالى فسواهن سبع سموات، لتقوم بما أمرت به، فقال تعالى بعدها: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(12) فصلت.
 ولم يذكر تعالى أنه سوى السموات والأرض بلفظ يجمعهما معًا، وذكر تسوية السماء سبع سموات، ولم يذكر التسوية للأرض؛ لأنه تعالى أتم خلق الأرض في الأيام الأربعة الأوَل من أيام خلق السموات والأرض الستة.
 أما ورود استواء الله على العرش الوارد في سبع آيات منها قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) طه.
 وفي قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) الفرقان.
 كان هذا الاستواء بعد الحديث عن إتمام خلق السموات والأرض.
 وربط الانتهاء من خلق السموات والأرض بالاستواء على العرش؛ لبيان أن خلق السموات والأرض لم يكن لذات الله، بل كان خلقهما ليكونا مكانًا لمن يعبد الله بعد ذلك من الإنس والجن،
 ولبيان أن عرش الرحمن هو أسبق منهما، ولا موازنة بينهما وبين عرش الرحمن.
 وان خلقهما كان بيد الله، ولم يكن هذا الخلق من تسلسل الأفعال التي جرت على سنن الله في الكون عامة.
 لذلك جاء الاستواء لفعل الرحمن بعد ذكر خلق السموات والأرض والاستواء إلى السماء، لإتمامها سبع سموات ... والله سبحانه وتعالى هو أعلم بما أنزل في كتابه.
 واستواء الرحمن على العرش يفهم من استعمال القرآن لمادة "سوي" أنه لا يدل على هيئة معينة للاستواء، بل يدل على أن الرحمن أتم خلق السموات والأرض، وانتهى من ذلك ... وبعد ذلك تحتاج السموات والأرض إلى تدبير أمرهما.
 وأنه، سبحانه وتعالى، لم يشق عليه خلق السموات والأرض، وأنه، تعالى على كمال في قدرته، خلاف ما قاله أهل الكتاب من سوء تقديرهم لله عز وجل، وتصورهم تعبه من الخلق وجلوسه على العرش ليستريح، وقد وضع رجلاً على رجلٍ وفخذًا على فخذٍ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ (38) ق.
 ومنطلق تدبير أمر السموات والأرض وما بينهما من عند العرش، حيث تنطلق الملائكة بأوامر الله، ثم ترفع ما يكون من الأمور إلى الله بالمجيء إلى العرش.
 ولما كان الله سبحانه وتعالى لا يحده مكان ولا زمان، وتحتاج الملائكة مكانًا محددًا لتأخذ منه أمر الله، وترفع إليه ما كلفت به، خلق الله تعالى العرش، وخص به نفسه من دون خلقه، فهو قبلة الملائكة كما أن الكعبة قبلة المصلين في الأرض يتوجهون إليها في صلاتهم وهي ليست مكانًا لوجود لله.
 والعرش هو ما يخص واحدًا أو شيئًا لا يشاركه أحد فيه، وعرش الرحمن خلق من خلق الله خص به نفسه فلم يملك شيئًا منه لأحد، ولم يسخره لأحد من خلقه، لذلك سمي بعرش الرحمن لا على أنه مكان يحصر الله وجوده فيه ... تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
 وارتباط العرش بالرحمن هو ارتباط ثابت به سبحانه وتعالى، لا بأحد غيره، وأن هذا الاستواء كان بعيدًا عن السموات والأرض، فلا يعلم مكان العرش إلا هو سبحانه وتعالى.
 لذا نستطيع أن نفهم لماذا ربط الاستواء بالعرش، لنفهم أن تدبير أمر السموات والأرض وما فيهما يكون من عند العرش، قال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ(5) السجدة.
 وأي فهم للاستواء بغير هذا، وزج أفعال أخرى لبيان معنى الاستواء، لا يؤدي إلا تشويش فهم الاستواء، والإساءة إلى الله سبحانه وتعالى.
 فإن قلت أن معنى استوى على العرش: علا عليه أو إليه، فأين كان الله قبل علوه؟ هل كان فيما سفل عن العرش ؟!.
 وإن قلت بأن معنى استوى: ارتفع، فهل كان أسفل منه قبل ذلك ؟!.
 وإن قلت صعد أو ارتقى، أو أي فعل يرادف ذلك، أشار إلى خلاف ذلك قبل الاستواء مما لا يليق به سبحانه وتعالى.
 وإن قلت بأن استوى بمعنى استولى، فهل كان هناك من يزاحمه ويدافعه عن العرش ؟!.
 وأشد من ذلك، القول بالقعود أو الجلوس على العرش الذي استنكرته الأمة، وشنعت القول على أصحاب هذه الأقوال.
 أما حرف الجر "على" فلا يفيد الظرفية والاستعلاء في كل استعمالاته، وحكمه كحكم وروده في قوله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) النمل، فهو يؤتى به للربط بين طرفين، وبيان شدة الارتباط وثباته بينهما في الإخبار، أو عند الطلب، فالطلب كان في التوكل على الله، فالتوكل على الله يربط بين المتوكل والله برباط ثابت، ومثل ذلك الاعتماد على الله ... فلا يفهم من "على" الظرفية في هذا مطلقًا.
 والأشياء تكون أكثر اعتمادًا وارتباطًا بينها إذا كان بعضها فوق بعض، كقولنا: الكأس على الطاولة، لكن "على" لا تستعمل لهذا الغرض وحده كما بينا.
 والاستواء على العرش الذي ذكره تعالى بعد ذكره لخلق السموات والأرض في كل المواضع الذي ذكر فيها بلا استثناء جاء بصيغة الفعل الماضي "استوى" ليدل على الحداثة التي كانت.
 وأما مجيء الاستواء بعد "ثم" في الجميع التي تفيد التعقيب مع التراخي،- إلا في سورة طه – للدلالة على أنه لم يكن هناك استواء على العرش قبل خلق السموات والأرض، إذ كيف يكون هناك تصريف لهما ولشئونهما قبل خلقهما ؟!.